رغم كل محاولات "الطبطبة" التي قامت بها وزارة التعليم، ووكالة الوزارة ووكيلها مع طالبة أولى ثانوي بقرية نزلة المشارقة ببني سويف، والمحاولات الميؤوس منها لاحتواء الغضب الشعبي مما فعلة وكيل الوزارة، ستظل واقعة السيد الوكيل علامة سيئة في تاريخ منظومة التعليم، خصوصاً في جانبها الإنساني والتربوي والإجتماعي.
ما جرى من السيد محمود الفولي وكيل وزارة التربية والتعليم بمحافظة بني سويف علامة على سقوط أو إسقاط الجزء المتعلق بالتربية من اسم وزارة التربية والتعليم، وليس هذا تحاملاً على السيد المذكور بقدر ما هو إقرار لتفسير حالة ارتكبها بحق طالبة، ستظل عالقة بداخلها، وندعو الله أن تخرج منها بسلام.
لو كانت هذه الواقعة صدرت من مشرف تعليمي صغير في مدرسة أو مدرس حديث، أو حتى مدير أو ناظر مدرسة كان الأمر سيكون أقل حدة، وربما كانت السيد الوكيل ومن تحته مدير التعليم الثانوي، ومدير الإدارة التعليمية التابع لها المدرسة، قد نصبوا "مجزرة" لمن ارتكب تلك الواقعة المشينة، ولكن أن تأتي هذا الفِعلة من السيد وكيل الوزارة وهو رقم واحد في التعليم بالمحافظة، وممثل وزير التربية والتعليم في بني سويف، فهذا جُرم تربوي يحتاج لوقفة.
قد يقول البعض أننا نشعل النار في الهشيم، وننفخ في جمرات تحت الرماد لإشعال نيران أخرى، إلا أن الواقعة من مدلولها التربوي هي الأخطر، ومن قام بها لم يراع أي أبعاد إنسانية واجتماعية، في اختيارات فِعلته المشينة.
ولابد من التوضيح هنا أن فكرة "اللانش بوكس" بالتعبير الحديث لوجبة الغذاء بصحبة الطلاب، تختلف في مدلولها وفقاً للقدرات المادية والأبعاد الاجتماعية بين أفراد المجتمع، ولو أجهد السيد الوكيل نفسه قليلا، وأراد التحري في الأمر، لوجد نفس ما فعلته طالبة قرية نزلة المشارقة ببني سويف، هو نفس ما تقوم به طالبات أخرى، بل مدرسات في معظم مدارسنا، بل هذا نهج بين طلاب المدارس في أنحاء مصر المحروسة، ولكنه يختلف من فئة إلى أخرى وفقاً للقدرات الاجتماعية والاقتصادية للأسر.
وما لم يعلمه السيد محمود الفولي، أن لجوء الطالبة لهذا ليس فعلاً مشيناً بل هو مؤشر عن أبعاد اجتماعية في مجتمع يعيش أوضاعا صعبة في ظل المجريات المحلية والعالمية، إلا إذا كان سعادته يريد أن يضع مواصفات لوجبات التلاميذ والطلبة ونظام تعبئتها وتغليفها قبل اصطحابها من منازلهم!.
وللتذكير فإن الواقعة تتلخص في قيام طالبة بأول ثانوي من قرية نزلة المشارقة بمركز اهناسيا ببني سويف بالمرحلة الثانوية بحمل وجبة بسيطة اعتادت إحضارها يوميا من منزلها، عبارة عن رغيفين عيش وكيس فول.
ولاحظ محمود الفولي وكيل وزارة التربية والتعليم بمحافظة بني سويف خلال جولة تفقدية داخل المدرسة، وجود الطعام داخل درج الطالبة، وطلب منها إخراجه أمام زميلاتها، حيث تم توجيه بعض العبارات التي تسببت في أذى نفسي للطالبة بين زميلاتها وأساتذتهاـ وحالة من الإحراج للطالبة أمام زميلاتها.
ونعود للوراء لسنوات، ربما تعود إلى أكثر من عمر السيد الفولي، إلى أنه وبسبب الظروف المعيشية لحياة المصريين عامة، كان من عادة التلاميذ والطلاب اصطحاب وجبات منزلية بسيطة معهم إلى المدارس، ولو استذكر السيد الفولي سيجد نفسه واحداً من بين هؤلاء الذين كانوا يفعلون ذلك، بسبب شظف العيش، وابتكارات المصريين للتعامل مع الحياة.
قد يقول البعض أن وكيل الوزارة عالج موقفه باستقبال الطالبة المُساء إليها وأسرتها وطالبات المدرسة، وحاول أن يعالج الموقف، إلا أن الأهم هو من سيعالج حجم الإساءة النفسية التي تسبب فيها التصرف الذي ربما يدخل في اللا أخلاقي للسيد الفولي، والذي سيظل عالقاً في نفسيتها؟.
وما لفت الأنظار هو حجم التفاعل من مختلف الفئات مع الطالبة، والتضامن معها، ورفض واستنكار تصرفات وكيل وزارة التربية والتعليم في بني سويف، وهو ما يعني رفض لأي تصرفات تخل بأخلاقيات هيئات التدريس، والمجتمع المصري.
وبالتالي فإن استقبال السيد الفولي للطالبة وأسرتها وحتى مدرستها، ليس وحده هو الذي يطيب خاطر الطالبة واسرتها، بل الأمر يحتاج إلى اعتذار رسمي في بيان رسمي من وزارة التربية والتعليم عما جرى بكل تفاصيله، والاعتراف بخطأ تربوي.
وما جرى من السيد الفولي مع طالبة اهناسيا هو إساءة لحالة مصرية عامة، تتبعها كل الأسر المصرية، والتي قد تؤدي إلى تخوفها من ارسال وجبات غذائية منزلية مع بناتهم وأبنائهم، وهم ذاهبون إلى فصولهم الدراسية، والتي قد يتم استخدامها في الإساءة لأبنائهم وفلذات أكبادهم.. ولتعلم وزارة التربية والتعليم، والسيد الوزير والسيد الوكيل وكل وكيل مماثل أن جبر الخواطر ليس بالطبطبة، بل بالاعتراف بالخطأ والتنويه عنه لعدم تكراره أو تكرار ما يماثله.
------------------------------
بقلم: محمود الحضري






